القرطبي

228

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره ، ذكره الجوهري . وقيل : أراد بالرحمة هنا المطر ، قاله الأخفش . قال : ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث . وأنشد : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها ( 1 ) وقال أبو عبيدة : ذكر " قريب " على تذكير المكان ، أي مكانا قريبا . قال علي بن سليمان : وهذا خطأ ، ولو كان كما قال لكان " قريب " منصوبا في القرآن ، كما تقول : إن زيدا قريبا منك . وقيل : ذكر على النسب ، كأنه قال : إن رحمة الله ذات قرب ، كما تقول : امرأة طالق وحائض . وقال الفراء : إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر مؤنث ، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم . تقول : هذه المرأة قريبتي ، أي ذات قرابتي ، ذكره الجوهري . وذكره غيره عن الفراء : يقال في النسب قريبة فلان ، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث ، يقال : دارك منا قريب ، وفلانة منا قريب ، قال الله تعالى : " وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ( 2 ) " . وقال من احتج له : كذا كلام العرب ، كما قال امرؤ القيس : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا قال الزجاج : وهذا خطأ ، لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما . قوله تعالى : وهو الذي يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ( 57 ) قوله تعالى : ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) عطف على قوله : " يغشي الليل النهار " . ذكر شيئا آخر من نعمه ، ودل على وحدانيته وثبوت إلهيته . وقد مضى الكلام

--> ( 1 ) البيت لعامر بن جوين الطائي . وصف أرضا مخصبة لكثرة ما نزل بها من الغيث . والودق : المطر . والمزنة : السحابة ( عن شرح الشواهد ) . ( 2 ) راجع ج 14 ص 248 .